Par Michel Bounajern (Al-Shark al Awsat)
Le livre de Walid Joumblatt conte la fragmentation du Liban et ses guerres interminables.
باريمذكرات وليد جنبلاط الصادرة في كتاب من 340 صفحة باللغة الفرنسية عن دار « ستوك » للنشر تحت عنوان « »قدر من المشرق » مع عنوان فرعي: « من الحرب الأهلية الى السلام غير الأكيد » ليست مذكرات بالمعنى الحرفي المتعارف عليه. ذلك أن الكاتب الذي لعب دورا سياسيا من الطراز الأول منذ حوالي خمسين عاما وكان طرفا فاعلا في المشهد السياسي والإجتماعي في لبنان لا يكتفي بسرد سيرة حياته المليئة بالأحداث المؤلمة وغير المؤلمة. ولا ينحصر في مراجعة تاريخ عائلته والدور الذي لعبته في منطقة الشوف اللبنانية منذ مقتل أحد أجداده القدماء {بشير جنبلاط} على أيدي العثمانيين بسبب خلافه مع البشير الآخر، أمير الجبل {بشير الشهابي}. كل ذلك يتضمنه الكتاب ويتضمن بالطبع مأساة مقتل والده السياسي الكبير كمال جنبلاط على أيدي السوريين يوم 16 /مارس/آذار عام 1977 الذي يرخي بظله على الكاتب والذي نقل إليه الزعامة السياسية الدرزية والزعامة النيابية ورئاسة الحزب التقدمي الإشتراكي وكلها آلت لاحقا الى ابنه تيمور. يروي كل ما سبق صحيح. لكن الكتاب الذي يمكن النظر إليه على أنه رواية لبعض من سيرة لبنان الحديث والمعاصر، هو أيضا فرصة للكاتب لعرض وتبرير مواقفه المتبدلة ورؤاه للماضي والحاضر وإبداء نصائحه السياسية لبلد عاش في العقود الستة المنصرمة مجموعة من الحروب الأهلية والإقليمية. وبعض صفحات الكتاب يكرسها الكاتب للحديث عن عائلته، عن جدته « الست نظيرة، عن أمه، مي أرسلان، عن العلاقة بين والديه المنفصلين، عن مربيته الفرنسية إيفون نيادو، عن قصر المختارة، مقر »الزعامة الدرزية »، عن نسبه الإرسلاني، عن والده الإقطاعي الذي تبنى الإشتراكية… لكن الأصل والأهم هو السياسة. ولآل الأسد حافظ وبشار حظ وفير منها.
آل الأسد وآل جنبلاط
بين آل الأسد وآل جنبلاط قصة طويلة تحتجز عشرات الصفحات من الكتاب لا بل إنها تشكل حبكته الرئيسية: قصة كمال جنبلاط مع الأخوين حافظ وماهر الأسد، الأول رئيس للجمهورية السورية وقصة إبنه وليد مع حافظ الأب وبشار الإبن. حافظ الأسد حكم سوريا ما بين العام 1971 والعام 2000. والثاني ورث الرئاسة عنه ومارسها حتى أواخر العام 2024.
يسرد الكاتب التفصيل علاقة والده بالرئيس حافظ الأسد بدءا من مقدمة الكتاب كما أنه يبدأ فصلين منه {الثاني والثالث} بعبارة « اغتيل والدي يوم 16 مارس/آذار من العام 1977 ». وليد جنبلاط معجب الى أقصى الحدود بوالده، بما يسميه « الكاريزما » التي كانت يتمتع بها، بثقافته الواسعة وبقدرته على التحدث مع الناس العاديين كما مع كبار القادة والزعماء وبنجاحه، كزعيم يساري، في بناء تحالف القوى التقدمية والفلسطينيين ضد « قوى الإنعزال » أي الأحزاب اليمينية المسيحية… ويسرد بالتفصيل أسباب الخلاف بين والده وحافظ الأسد خصوصا منذ أن قرر الثاني الدخول العسكري الى لبنان بموافقة أميركية وبغطاء عربي وبناء على طلب القادة المسيحيين الثلاثة وقتها: الرئيسان السابقان كميل شمعون وسليمان فرنجية ورئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل. ومن أسباب الجفاء سعي الأسد الأب لفرض وصايته على الحركات الفلسطينية وعلى ياسر عرفات رئيس سلطتها التنفيذية. الأسد، يقول وليد جنبلاط، كان يسعى لفرض « وصاية دكتاتورية » على لبنان وتكميم الحريات والهيمنة على المقدرات اللبنانية الأمر الذي رفضه والده الذي لم يتردد في مهاجمة الأسد ونظامه في مقالات نشرتها صحيفة الحزب التقدمي. جنبلاط الأب كان على « خلاف مفتوح » مع نظام الأسد الذي رفض تزويد الميليشيات اليسارية بالسلاح الذي كان يطالب به كما اتهمه بالسعي لإعادة تشكيل « سوريا الكبرى ». ووصف كمال جنبلاط التدخل السوري بأنه « غزو تقوم به دولة توتاليتارية ». ويشير الكاتب الى ان الخلاف بينهما هو بالواقع « خلاف بين أقلويين »، الأول علوي والثاني درزي. ويؤكد جنبلاط أن والده تجرأ، خلال آخر لقاء بينه وبين الأسد قبل عام من اغتياله، على القول مباشرة أنه يرفض الموافقة على استباحة بلد {لبنان} من جانب دولة يرفض أساليبها والمقصود « القمعية ». بيد أن الشعرة التي قصمت ظهر البعير تعود لتغيير دمشق صيغة تحالفاتها السابقة في لينان بانتقالها الى التحالف مع الأحزاب المسيحية بعد زيارة القادة الموارنة الثلاثة دمشق والطلب، رسميا، من الأسد التدخل لوقف الحرب الأهلية، الأمر الذي جعل اليسار والفلسطينيين والإسلاميين في وضع بالغ الهشاشة.
ولأن جنبلاط الأب كان يستشعر التهديد المسلط فوق رأسه، فقد سعى للخروج من عزلته باحثا عن مظلة حماية له، عربية ودولية، فزار فرنسا والإتحاد السوفياتي ودول عربية منها مصر. ويروي الكاتب انه عرج على مصر في طريق العودة الى لبنان حيث استقبله الرئيس أنور السادات الذي لم يتردد بتوجيه نصيحة واضحة له بقوله: »أخ كمال، لا تعد الى لبنان. يبدو عليك التعب، ابق في مصر ». وسمع كمال جنبلاط نصائح مماثلة عربية وغير عربية. إلا أنه لم يأبه بها وقال لسائليه ما معناه أنه يستشرف ويريد أن يموت في الشوف الى جانب شعبه. ولعودته الى لبنان، استعين بالسفير السوفياتي في مصر الذي أمن نقله على متن ناقلة بترول أنزلته في مرفأ الجية الجنوبي. ويروي الكاتب تفاصيل اغتيال والده متهما رفعت الأسد والمخابرات السورية بالمسؤولية عنه تدبيرا وتنفيذا ومؤكدا أن المسؤول المباشر كان اللواء إبراهيم الحويجي الذي ألقت القبض عليه، في قرية جبلة السورية، القوات الأمنية للنظام الجديد. ويؤكد جنبلاط أن المخابرات السورية اختارت قرية مسيحية لإتمام عملية الإغتيال قريبا منها وبثت إشاعات تدعي ان المسيحيين هم من نفذوا الإغتيال ما أفضى الى موجات قتل قضت على 300 منهم وتهجير عشرات الآلاف. وفي العام 2025، أغلق « وليد » فصل اغتيال « كمال » الذي لبس عباءة زعامته ثم بعد عشرات السنوات نقلها الى ابنه تيمور، النائب الحالي ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي. فآل جنبلاط متمسكون بالتقاليد، بثوابتهم وبزعامتهم.
الطريق الى دمشق
منذ الصفحات الأولى، يعرف جنبلاط عن نفسه بتذكير ان « قليلا من آل جنبلاط أنهوا حياتهم بموت طبيعي » وأنه قد يكون « الإستثناء » لأنه ما زال حيا. ويضيف: « خلال خمسين عاما من حياتي السياسية، التي بدأت في العام 1977، لم أعرف سوى النزاعات وشعوري أنني أعيش حربا بلا نهاية ». وقد تكون غريزة البقاء هي التي قادته الى سلوك طريق دمشق للقاء الرئيس الأسد بعد أشهر قليلة على اغتيال والده. كتب جنبلاط {ص 74}: »قررت بالإتفاق مع كادرات الحزب التقدمي وشيخ العقل محمد أبو شقرا التوجه الى دمشق لإعادة إحياء التحالف الضروري لوجودنا ». ويضيف: « كان علي أن أعيد تطبيع علاقاتنا مع النظام السوري الذي كان داعمنا الوحيد. لم يكن لدينا خيار آخر ». الغريزة نفسها قادته مجددا الى دمشق، في مارس/آذار 2010، بعد القطيعة مع نظام بشار الأسد عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط من العام 2005. الإغتيال، كما يقول جنبلاط، صديق الحريري « أحدث زلزالا في لبنان والعالم » ولم يتردد الكاتب باتهام النظام السوري علنا بالمسؤولية عنه. الحريري كان على خلاف مع الأسد بسبب رغبة الأخير بالتمديد للرئيس إيميل لحود المنتهية ولايته. ويروي جنبلاط ما نقل له الحريري عن لقائه الأسد في 26 أغسطس/آب حيث قال له لأخير: » لحود هو أنا وإذا سعى شيراك لإخراجي من لبنان، فسوف أحطم كل شيء. وإذا كان جنبلاط يرى أن لديه دروزا في جبل لبنان، ليعلم أن لي أنا أيضا دروزي وأستطيع إثارة الفوضى هناك ».
لم يكن الود السمة الغالبة على العلاقة بين الأسد والحريري. وفاقم قول الحريري يوما إن رئيس الجمهورية القادم « يجب ا، يتم اختياره في لبنان » أي ليس في دمشق. وثمة روايات عديدة عما درا في لقاء الأسد ــ الحريري الذي عاد منه الأخير »مرعوبا » كما كتب جنبلاط. ولحماية صديقه، قال له: » أنصحك بأن تصوت لصالح التمديد للحود . لا تعارض ذلك. إنهم أشخاص خطرون… » وهو ما فعل. إلأا أن ذلك لم يكن كافيا إذ أن صدور القرار الدولي رقم 1559 والذي دعا الى خروج السوريين من لبنان واتهم الحريري بالدفع لتبنيه فاقم الأمور. ويروي جنيلا أنه تلقى اتصالا سريعا من رئيس أركان سابق لم يسمه قال له: »إحذر ». وبعد سلسلة الإغتيالات التي أعقبت مقتل الحريري، فهم جنبلاط أن الأسد « يريد التخلص من من يعارضه » إذ أن سلسلة من عمليات الإغتيال كرت: باسل فليحان، سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو… وخلاصة جنبلاط أن صورة الحداثة التي سعى الأسد للترويج لها مع زوجته أسماء كانت « هزلية، فالإبن صورة عن أبيه ولكن أسوأ منها ». ودورة القتل التي استمرت ما بين 2005 و2007، كان غرضها إسكات كل صوت منتقد للنظام السزوري أو لحزب الله. وكتب جنبلاط: »حزب الله كان يراقبنا في الوقت الذي استمر فيه القضاء على كبار الشخصيات السياسية والفكرية » ». ويؤكد الكاتب{301 ــ 302}أنه خلال جلسة « حوار وطني » دعا إليها رئيس البرلمان، نبيه بري، في مارس/آذار 2006، حما معه كتاب « سمرقند » لأمني المعلوف الذي يتحدث فيه عن « الحشاشين » الذين عرفوا بتبنيهم الإغتيالات لإرهاب أعدائهم وقال بحضور حسن نصرالله، أمني عام حزب الله: » إن ما نقوم به يذكرنا بما جاء في كتب سمرقند عن « الحشاشين ». فنظر إليه نصرالله بقساوة معتبرا ما قاله بمثابة « اتهام شخصي » له. ويضيف جنبلاط: « لقد خيل لي أنه على صلة بعمليات القتل وفهم أنني أتهمه علنا بذلك ». ويذكر جنبلاط بكلمة قالها بمناسبة مرور عام على اغتيال الحريري، متوجها للأسد: » أنت يا طاغية دمشق، أنت يا قردا من أسوأ الأنواع، أنت يا سمك القرش الذي لفظك المحيط ..أيها الجزار، المجرم، الكذاب… »
مرت علاقات جنبلاط بحزب الله في مرحلة بالغة التوتر في العام 2008 حيث انفجر الوضع الميداني في مايو/أيار عندما اجتاحت ميليشيا الحزب أحياء بيروت وحاصرت دارة جنبلاط والحريري وهاجمت مناطق في الجبل. وقال حكمت الشهابي، رئيس الأركان السوري، خلال لقاء مع جنبلاط في باريس إن حزب الله سعى لقتله. وكما بعد مقتل والده، عدل جنبلاط موقفه بعد اتفقا الدوحة فتوقف عن انتقادر النظام السوري وعن استهداف حزب الله عملا بالواقعية السياسية وبقراءة متأنية لميزان القوى. كذلك عمد الى الخروج من تحالف 14 مارس/آذار الذي يضم « السياديين ». في 2009 ، زار سعد الحريري، الذي كان قد عين حديثا رئيسا للوزراء دمشق للقاء الأسد. وبعده جاء دور جنبلاط. وعن هذا اللقاء، كتب جنبلاط أنه « لم يكن سعيدا بحصوله » لكن كان عليه ان يساهم في عملية المصالحة اللبنانية ــ السورية ولم يكن من خيار أمامي سوى الذهاب حتى النهاية في هذا المسار. وآخر لقاء تم بين الرجلين حصل في 9 يونيو/حزيران بعد أن انطلقت الإنتفاضة في سوريا….
قطعا، لا تكفي هذه السطور لنقل ما يتضمنه هذا الكتاب الغني بالأحداث والتحليلات والذي يعد مرآة تعكس عمق الإنقسامات اللبنانية العميقة والتشظي الذي يعتمل مجتمعا لم ينجح بعد ليس فقط في تخطيها بل في رسم الطريق لتحقيق ذلك.س: ميشال أبونجم
