OUF DE SOULAGEMENT DES DIRIGEANTS EUROPEENS
Par Michel Bounajem
باستطاعة رؤساء دول وحكومات الدول الأوروبية الثلاثين الأعضاء في الحلف الأطلسي أن يتنفسوا الصعداء بعد انتهاء قمة النادي الأطلسي في أنقره. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي اجتذب كافة الأنظار إليه طيلة يومي الثلاثاء والأربعاء، أخافهم لا بل أرعبهم، مرة أخرى بانتقاداته الحادة لرفضهم مساعدته في حربه على إيران وبإثارته مجددا رغبته بضم جزيرة غرينلاند. ولم يتردد في صب جام غضبه على إسبانيا التي تنتقد بعنف مغامراته الحربية وتمنع طائراته الحربية من الهبوط في مطاراتها العسكرية وترفض زيادة إنفاقها الدفاعي. إلا أن كل العنف تبخر، كما تقول مصادر أوروبية تابعت أعمال القمة من العاصمة التركية، في الاجتماع الرسمي الذي جرى بعد ظهر الأربعاء. وذهب ترمب، في حديثه للصحافة، الى تأكيد أن الاجتماع « الرائع ما كان له أن يحصل في أجواء أفضل من تلك التي حصل فيها » وأضاف: « كان هناك كثير من المحبة والوحدة داخل قاعة الاجتماع ». ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة الى نقطتين: الأولى، أن ترمب بقي في أنقرة حتى آخر لحظة وهذا الانتظام ليس من فضائله الكبرى. والثانية، أنه قبل التوقيع على البيان الختامي للقمة الذي تضمن النقاط الرئيسية التي تمسك بها الأوروبيون وتم التوافق عليها خلال اجتماعات سفراء الدول الأعضاء في مقر الحلف في بروكسيل بإدارة أمينه العام مارك روته.
الفقرة الخامسة و »بوليصة التأمين »
تقول مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس إن الأوروبيين المتخوفين من عزوف ترمب عن الحلف وخططه لتقليص انخراط بلاده عسكريا في أوروبا أي عمليا امتناعه أو على الأقل تردده في الدفاع عنها بوجه اية مغامرة روسية، حصلوا رسميا على تعهد أميركي واضح جسدته الإشارة الى الفقرة الأولى من « إعلان أنقره » التي نصت على أمرين أساسيين: التزام الجميع الراسخ بالدفاع الجماعي المنصوص عليه في الفقرة الخامسة من شرعة الحلف والقائلة إن « الهجوم على أي حليف يُعد هجومًا على جميع الحلفاء ». وجاء هذا التأكيد ليبدد، ولو مؤقتا وبانتظار تصريحات مغايرة من البيت الأبيض، مخاوف الاوروبيين خصوصا دول بحر البلطيق أو القريبة من الحدود الروسية مثل رومانيا وبولنده. وأكثر من ذلك وبالنظر للتقارب بين ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن قبول الأول أن ينص البند الثاني من « إعلان أنقره » على أن روسيا « تمثل، على المدى البعيد، تهديدا للأمن والإستقرار في المنطقة الأوروــأ طلسية ». وبكلام أوضح، فإن واشنطن تبنت المقاربة الأوروبية التي تحذر من النوايا الروسية. وترجح المخابرات الألمانية وكما رئاسة أركان الجيوش الفرنسية وغيرها من مراكز الأبحاث الإستراتيجية، أن روسيا قد تعمد، قبل نهاية العقد الجاري، الى اختبار صلابة الحلف الغربي من خلال استهداف حلقة « ضعيفة » كدول بحر البلطيق التي كانت جزءا من الإتحاد السوفياتي قبل انفراط عقده.
صفقات بالمليارت للشركات الأميركية
بيد أن التزام واشنطن بالمقاربة الأوروبية لم يكن مجانا وثمنه، من جهة، صفقات تسلح أوروبية جديدة بقيمة 50 مليار دولار ستذهب أساسا الى كبريات شركات السلاح الأميركية التي قال عنها ترمب « إنها الأفضل في العالم ». ومن جهة ثانية، انصاع الأوروبيون ومعهم كندا لطلب الرئيس الأميركي مضاعفة إنفاقهم الدفاعي الذي زاد بحوالي 140 مليار دولار قياسا على العام الماضي. ولان ترمب يحب الصفقات والأرقام، فإن مارك روته ما فتىء يشدد عليها ويبرزها بالخرائط والألوان. والغرض من كل ذلك سحب حجة ترمب القائلة بأن الأوروبيين يتهربون من دفع ما يتوجب عليهم للحلف الأطلسي وهي الزاوية التي يستغلها، للهجوم على الحلف منذ ولايته الأولى.
منذ أشهر طويلة، لا يتردد الأوروبيون في التعبير عن مخاوفهم من المسار الذي تسلكه الإدارة الأميركية إزاء الحرب في أوكرانيا. وكان همهم في أنقره أن يعيدوا ربطها بالعربة الأوروبية من زاويتين: الأولى، دفعها للتخلي عن محدداتها السابقة للحل بين كييف وموسكو وأولها قبول الرئيس زيلينسكي التخلي عن كامل منطقة الدونباس لصالح روسيا لوضع حد للحرب. والثانية، اعادتها الى الإنخراط، ماليا وعسكريا، الى جانب أوكرانيا. وما حصل في أنقره أنهم أحرزوا نصف نجاح. فمن جهة، أكد الاطلسيون جماعيا « أنهم متحدون في دعمهم الثابت لأوكرانيا، التي تسهم في تعزيز الأمن عبر الأطلسي وتدافع عن حريتها وسيادتها وسلامة أراضيها » ما يدل على تبدل في مزاج ترمب الذي قبل لقاء زيلينسكي لا بل أعلن موافقته على السماح لأوكرانيا، مبدئيا، بإنتاج صواريخ « باتريوت » للدفاع الجوي. لكن ترمب يرفض العودة لتمويل وتسليح أوكرانيا كما كان الوضع خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن. كذلك، فإن ال140 مليار دولار التي سيمنحها الحلف لكييف لعامين، لن تساهم بها واشنطن بدولار واحد بل ستكون على عاتق الأعضاء الأوروبيين وكندا الذين سيتكفلون بدفع ثمن رخصة إنتاج « الباتريوت » في أوكرانيا.
الدفاع التقليدي والردع النووي
منذ عودة ترمب الى البيت الأبيض العام الماضي، زادت الضغوط على الأوروبيين لتحمل عبء الدفاع عن أنفسهم من خلال الإرتقاء بتسلحهم التقليدي ربطا بزيادة الميزانيات الدفاعية وتحديث جيوشهم. وجاء في الفقرة الثالثة من « إعلان أنقره » ما حرفيته: » نعمل على بناء المستقبل وإقامة أوروبا أكثر قوة داخل حلف ناتو أقوى، من أجل تحالف أكثر حداثة. وتتحمل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، دورًا متزايدًا في الدفاع عن الحلف ». وما لم يقله البيان علنا، كشف عنه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت، خلال اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسيل يوم 24 يونيو/حزيران الماضي حيث أعلن أن توجه بلاده يقوم على تحمل الأوروبيين أعباء الدفاع « التقليدي » بينما تتكفل واشنطن مهمة الردع النووي. من هنا إشارة الفقرة الى أن « ردع الأطلسي ودفاعه يستندان إلى مزيج من القدرات النووية والتقليدية والدفاع الصاروخي، مدعومة بإمكانات فضائية وسيبرانية ».
بيد أن هذا التوزيع لا يريح الأوروبيين الذين لا يثقون تماما بوعود واشنطن رغم التقارب المستجد. من هنا، فإن مفاوضات تجري بين فرنسا، الدولة النووية، مع عدد من شركائها في الإتحاد الأوروبي، كألمانيا والسويد وبولنده، حول كيفية مد المظلة النووية الأوروبية الى بعضها مع بقاء القرار النهائي للضغط على الزر النووي للرئيس الفرنسي. والأمر نفسه باشرت به بريطانيا. لكن هذه المسألة تبدو بالغة التعقيد إذ أنها تتطلب مفاوضات صعبة مع الدول الشريكة كما أن إثلرة مسألة التشارك في الإستفادة من المظلة النووية الفرنسية بحجة « الدفاع عن المصالح الحيوية لفرنسا في أوروبا » يثير جدلا واسعا داخلها. وفي أي حال، فإن العديد من الأوروبيين لا يريد مقايضة مظلة نووية أميركية ــ أطلسية موجودة بمظل أوروبية غير موجودة.
يبقى مصير مضيق هرمز نقطة الخلاف الرئيسية بين ضفتي الأطلسي. ف مارك روته، رغم الإعراب عن تأييده للضربات الأميركية الأخيرة ردا على استهداف إيران لناقلات حاولت المرور في مضيق هرمز، لم يترددد في القول إن « إيران تقع خارج نطاق الحلف الأطلسي …وأنه يعود للحلفاء فرديا أن يتعاملوا مع الولايات المتحدة ». لكن الهدف السياسي واحد وقد تم التعبير عنه في الفقرة الخامسة من « إعلان أنقره » إذ نص على ما حرفيته: » « يجدد الحلفاء تأكيدهم أن إيران يجب ألا تمتلك السلاح النووي أبدًا، ويدعونها إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز. » ولا شك أن هذه الصياغة لا تتجاوب مع ما ترغب به واشنطن. بالمقابل، فإن الإعلان الفرنسي ــ البريطاني الذي صدر قبل القمة وفيه تأكيد الطرفين اللذين أطلقا في شهر أبريل/نيسان الماضي « مبادرة مضيق هرمز » التي انضمت إليها العديد من الدول جاءت كإشارة لاستعداد هذه الدول لمد يد العون للرئيس ترمب. لكن الشروط التي وضعتها {الحصول على موافقة واشنطن وطهران ومسقط، وأن تكون محايدة وسلمية…} يجعل السير بها في الظروف الراهنة أمرا مستبعدا.
