في ظل الحرب المدمّرة التي تعصف بلبنان، ينهض معرض “جبيل: مدينة عريقة” في معهد العالم العربي كصرخة حضارية تتحدى النسيان. هنا، لا تُعرض آثار صامتة، بل تاريخ حيّ يتحدث، وذاكرة وطن تقف شامخة لتذكّر العالم: لبنان الجريح جذوره ممتدة عبر آلاف السنين، وتاريخه العريق يروي نفسه مهما عصفت به الأزمات.
جبيل، أو Byblos، ليست مجرد مدينة قديمة، بل واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، ومهد ولادة الأبجدية. المعرض يضم أكثر من 400 قطعة أثرية تغطي سبعة آلاف سنة من التاريخ، من أدوات ما قبل التاريخ، إلى الحُلي الذهبية، والتماثيل الجنائزية، وصولًا إلى المراسي الحجرية التي تروي قصة جبيل كميناء عالمي ربط الحضارات.
القوة الحقيقية للمعرض ليست فقط في القطع نفسها، بل أيضاً في توقيته وسياقه. لبنان اليوم ليس مجرد ساحة حرب، بل مركز تتقاطع فيه أزمات المنطقة. هنا يتحوّل المعرض إلى صرخة ثقافية تؤكد أن لبنان هو أحد منابع الحضارة الإنسانية، وأن ثقافته ليست ترفًا بل فعل حياة ووجود.
من أبرز القطع، فسيفساء “خطف أوروبا”، ليست مجرد عمل فني روماني، بل سردية رمزية عن أصل أوروبا نفسها. في الأسطورة، كانت أوروبا أميرة فينيقية من ساحل لبنان. عرض الفسيفساء في باريس يعيد تأكيد جذور العلاقة بين الشرق والغرب: امتداد تاريخي مشترك، لا هامشية.
الحضور الرسمي في الافتتاح يعزز هذه الرسائل. مشاركة إيمانويل ماكرون لم تكن بروتوكولية، بل رسالة دعم واضحة للبنان، وتأكيد على أنه شريك حضاري لا يمكن اختزاله في أزماته. في زمن تُقدّم فيه الحسابات السياسية على الثقافة، يضع هذا الحضور الثقافة مجددًا في صميم المشهد.
المعرض لا يكتفي بالماضي، بل يعيد تعريف الفينيقيين كوسطاء حضارة. من جبيل انطلقت الأبجدية التي شكلت أساس أنظمة الكتابة في العالم، وخشب الأرز الذي صدّروه إلى مصر كان جزءًا من شبكة تبادل حضاري واسعة. سفنهم لم تنقل البضائع فقط، بل اللغة والرمز والمعنى، موصلة ضفتي المتوسط في شبكة تواصل مبكرة.
في المحصلة، يطرح المعرض سؤالًا حادًا: ماذا يبقى من بلد في زمن الحرب؟ الجواب واضح: تبقى الذاكرة، وتبقى القدرة على سرد الذات.
“جبيل في باريس” ليس مجرد استعادة للماضي، بل دفاع عن الحاضر. لبنان، مهما اشتدت أزماته، ليس هامشًا في التاريخ، بل قلب حضارته النابض. هنا تتحول الآثار إلى خطاب، والذاكرة إلى شهادة، والتاريخ إلى حجة ضد النسيان.
By Gaby Lteif


