LA MOSAÏQUE. NOUVELLE STRATEGIE DE L’IRAN
Par lmane Chamas (AssasMedia)
يحذّر حميد رضا عزيزي، الباحث المتخصّص في الشؤون الإيرانيّة والجيوسياسيّة في الشرق الأوسط في المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة، من أنّ تحوُّل “استراتيجية إيران الحربيّة من نهج دفاعيّ يركّز على الاحتواء والردّ المحدود، إلى نهج هجوميّ أكثر اتّساعاً يقوم على الاستنزاف وتوسيع نطاق الصراع، يحمل مخاطر كبيرة قد تؤدّي إلى تصعيد خطِر وطويل الأمد بدل إنهاء الصراع”.
يعتبر عزيزي، وهو مؤسّس منصّة “إيران أناليتيكا”، التي يعرّف عنها بأنّها “مستقلّة تقدّم تحليلاً معمّقاً للسياسة الإيرانيّة”، أنّ إيران لم تعد تكتفي بامتصاص الضربات والردّ بالمثل، بل تسعى إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع عبر توسيع نطاقه واستهداف البنية التحتيّة الداعمة للعمليّات الأميركيّة والإسرائيليّة، وربط التصعيد في مجال معيّن بكلفة في مجالات أخرى. وبهذا تسعى إلى تحويل عدم التوازن العسكريّ إلى ورقة ضغط استراتيجيّة، في إطار نهج أكثر اتّساقاً لكنّه أيضاً أكثر خطورة واتّساعاً.
من الرّدّ إلى الاستنزاف
يوضح عزيزي: “في بداية الحرب، لم تركّز إيران ردّها على إسرائيل وحدها، بل على المنظومة الأوسع التي تضمن التفوّق العسكريّ الأميركيّ–الإسرائيليّ. فقد اعتبرت طهران أنّ الصراع ليس ثنائيّاً، بل هو مواجهة على مستوى النظام ككلّ، حيث تعتمد فعّاليّة إسرائيل على شبكة من القواعد والرادارات وأنظمة الدفاع الجوّيّ التي تشرف عليها الولايات المتّحدة. لذلك استهدفت الضربات الأولى هذه الشبكة عبر مهاجمة مواقع أميركيّة في العراق والخليج، بالإضافة إلى أصول مرتبطة بالإنذار المبكر والاعتراض. وقد اتّبعت إيران منطقاً متسلسلاً: تعطيل الكشف، إرباك الاعتراض، ثمّ تعزيز فعّاليّة الضربات اللاحقة”.
يعتبر عزيزي، أنّ إيران لم تعد تكتفي بامتصاص الضربات والردّ بالمثل، بل تسعى إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع عبر توسيع نطاقه واستهداف البنية التحتيّة الداعمة للعمليّات الأميركيّة والإسرائيليّة
وفقاً لعزيزي، يعكس هذا النهج تحديداً واضحاً لـ “مركز الثقل” في الحرب، فبدلاً من محاولة مواجهة إسرائيل مباشرة، سعت إيران إلى إضعاف البنية التحتيّة التي تمنحها حرّية العمل. حمل استهداف الأصول الأميركيّة رسالة سياسيّة مفادها أنّ الولايات المتّحدة طرف رئيس في الحرب، وليست داعماً وحسب. ففي المرحلة الأولى، كان الهدف أيضاً كسب الوقت وضمان البقاء، عبر الحفاظ على القيادة والقدرات العسكريّة ومنع الانهيار الداخليّ. لكن مع تطوّر الحرب، انتقلت الاستراتيجية نحو “الاستنزاف”. رفضت إيران فكرة الحرب القصيرة، معتبرة أنّ وقفاً سريعاً لإطلاق النار سيعيد التوازن السابق ويمنح الخصوم فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم. لذلك أصبحت إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها هدفاً استراتيجيّاً. لذا يعمل هذا النهج على عدّة مستويات:
– عسكريّاً: استنزاف أنظمة الدفاع عبر هجمات متواصلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ.
– سياسيّاً: زيادة كلفة استمرار العمليّات بالنسبة للولايات المتّحدة.
– استراتيجيّاً: إظهار القدرة على الصمود والاستمرار على الرغم من الضغوط. بالتالي لم يعد النصر يُقاس بنتائج ميدانيّة فقط، بل بمدى رفع كلفة استهداف إيران مستقبلاً.
عقيدة الفسيفساء
يعتبر عزيزي أنّ إيران تبنّت مفهوم “التصعيد المتدرّج بالمثل مع زيادة الحدّة”، أي الردّ على نوع الأهداف نفسه لكن بمستوى أعلى من الضرر. لكنّها في المقابل، ركّزت على الحفاظ على تماسكها الداخليّ. اعتمدت على اللامركزيّة في القيادة، عبر تفويض الصلاحيّات للوحدات الميدانيّة، بما يسمح باستمرار العمليّات حتّى في حال فقدان القيادة العليا.
وفقاً لعزيزي، يعتمد هذا النهج على ما يُعرف بـ”عقيدة الفسيفساء”، التي تقوم على:
– اللامركزية في اتخاذ القرار: تُفوض السلطات للمستويات الميدانية والإقليمية، بحيث يمكن للوحدات اتخاذ القرارات وتنفيذ العمليات بشكل مستقل عن القيادة المركزية.
– توزيع القدرات والمهامّ: يتمّ نشر الموارد والقدرات العسكريّة بطريقة تقلّل من تأثير أيّ ضربة مركّزة على النظام بأكمله.
– المرونة والاستمراريّة: الهدف هو ضمان استمرار العمليّات العسكريّة والسيطرة على الوضع حتّى في ظروف فقدان القيادة العليا أو تعطّل الاتّصالات.
– تعزيز الصمود الداخليّ: العقيدة تساعد على الحفاظ على التماسك الداخليّ للدولة والنظام، على الرغم من الضغوط الخارجيّة والهجمات المحتملة على الشخصيّات والبنية التحتيّة.
يعتبر عزيزي أنّ إيران تبنّت مفهوم “التصعيد المتدرّج بالمثل مع زيادة الحدّة”، أي الردّ على نوع الأهداف نفسه لكن بمستوى أعلى من الضرر
نقاط القوّة
يرى عزيزي عدّة نقاط قوّة للاستراتيجية الإيرانيّة الجديدة، أولاها:
– القدرة على التكيّف والمرونة، حيث تمكّنت طهران من تعديل أنماطها العمليّاتيّة وإعادة صياغة نهجها الاستراتيجيّ بما يتلاءم مع الضغوط المتزايدة.
– استغلال عدم التكافؤ العسكريّ بدل محاولة موازنته. لا تسعى إيران إلى مجاراة خصومها في التفوّق الجوّي أو التكنولوجيّ، بل تركّز على مجالات تستطيع فيها توليد نفوذ، مثل استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، الاستفادة من الجغرافيا الإقليميّة، وتأثير أسواق الطاقة والشبكات المرتبطة بها.
– التأثير التراكميّ، إذ لا تهدف الضربات الفرديّة إلى تحقيق حسم مباشر، بل إلى إحداث ضغط تدريجيّ مع مرور الوقت. يسمح هذا النهج باستنزاف الخصم وإجباره على تحمّل كلفة متزايدة، وهو ما يغيّر حساباته الاستراتيجيّة على المدى الطويل.
– القدرة على الصمود والاستمرار في ظلّ الضربات المكثّفة، بحيث تحافظ على عمليّاتها العسكريّة على الرغم من الخسائر، وهو ما يعزّز الانطباع بأنّ النظام قادر على تحمّل حرب طويلة دون انهيار.
– اللامركزيّة في القيادة لتعزيز القدرة على الصمود، إذ يسمح توزيع الصلاحيّات والقدرات باستمرار العمليّات حتّى في حال استهداف القيادات العليا. هذا يحدّ من تأثير الضربات التي تستهدف رأس النظام ويضمن استمراريّة الأداء العسكريّ.
نقاط الضّعف
على الرغم من هذه المزايا، يعتقد عزيزي أنّ لهذه الاستراتيجية نقاط ضعف كبيرة أيضاً. أهمّها:
– مكلفة وتعتمد على موارد محدودة: يتطلّب الحفاظ على استنزاف طويل الأمد مخزونات كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية التحتيّة، وكلّها موارد محدودة وعرضة للتلف.
– تحدّيات التنسيق: تبقى البنية التحتيّة العسكريّة التي تدعم هذه العمليّات عرضة للاستهداف، فتضعف القدرة على الاستمرار في حال تعرّضت لضربات فعّالة. قد تؤدّي اللامركزيّة إلى سوء تفاهم أو تصرّفات غير مقصودة، خاصّةً مع إبعاد القادة ذوي الخبرة.
مع تطوّر الحرب، انتقلت الاستراتيجية نحو “الاستنزاف”. رفضت إيران فكرة الحرب القصيرة، معتبرة أنّ وقفاً سريعاً لإطلاق النار سيعيد التوازن السابق ويمنح الخصوم فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم
– توسيع نطاق الحرب ليشمل دول المنطقة تترتّب عليه تكاليف سياسيّة وإقليميّة، إذ يزيد من التوتّر مع الدول المجاورة ويخلق بيئة أكثر عرضة لسوء الفهم والتصعيد.
– خطر التصعيد غير المنضبط، خاصّة عند استهداف بنى تحتيّة حسّاسة، يؤدّي إلى ردود فعل واسعة وغير متوقّعة.
– غياب مخرج واضح من الحرب، حيث إنّ الهدف المتمثّل في “تغيير المعادلة” بدل إنهاء الحرب بسرعة، هو هدف مفتوح النتائج وغير محدّد بدقّة، فيصبح تحقيقه صعب القياس ويطول أمد الصراع.
مستقبل الصّراع
يرى عزيزي أنّ ثمّة مسارات محتملة عديدة، لكنّ المسار الأكثر ترجيحاً في رأيه هو استمرار النمط الحاليّ: استنزاف مدروس ومستمرّ، مصحوب بتصعيد دوريّ في المجالين البحريّ والإقليميّ.
أمّا الاحتمال الثاني فهو تفعيل أوسع لجبهات الشركاء/الوكلاء واستخدام أدوات غير متكافئة، فيزيد اتّساع رقعة المعركة وتتعقّد ردود فعل الخصم.
إقرأ أيضاً: بترايوس: نشر المارينز في مضيق هرمز ضروريّ
أمّا المسار الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثّل في دورة تصعيد حادّة تؤدّي فيها الهجمات على البنية التحتيّة الحيويّة من كلا الجانبين إلى ردود فعل انتقاميّة متزايدة الاتّساع. وهذا يعني ردّاً لا يقتصر على استهداف منشآت مماثلة في المنطقة، بل يشمل أيضاً بنى تحتيّة مدنيّة أخرى، من المياه إلى تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات.
يخلص عزيزي إلى القول: في جميع السيناريوات، يبقى المنطق الأساسيّ ثابتاً. تحاول إيران تعويض ضعفها التقليديّ بتوسيع نطاق الصراع وزيادة تكاليف المشاركة فيه. لم يعد هدفها تحقيق نصر عسكريّ أو الاكتفاء بصدّ الهجمات، بل باتت تسعى إلى إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها على خصومها، من خلال نقلها إلى مجالات وجبهات متعدّدة، عسكريّة واقتصاديّة وإقليميّة. وبذلك تقوم الاستراتيجية الجديدة على فكرة أساسيّة مفادها: تعويض التفوّق العسكريّ للخصوم عبر تحويل الحرب إلى صراع طويل ومكلف ومتعدّد الأبعاد، يهدف في النهاية إلى تعديل الحسابات الاستراتيجيّة للخصم بدل حسم المعركة ميدانيّاً. وهو ما يعني حرباً أطول وأكثر خطورة تصعب السيطرة على مسارها أو إنهاؤها.
لقراءة المقال بلغته الأصلية اضغط هنا
