الجمهوريّة الإسلاميّة الثّالثة: دكتاتوريّة توافقيّة

LA 3EME REPUBLIQUE IRANIENNE : UNE DICTATURE CONSENSUELLE

Par Malak Akil (AssasMedia)

الجمهوريّة الإسلاميّة الثّالثة: دكتاتوريّة توافقيّةفي الثامن والعشرين من شباط 2026 أسقطت الضربة الأولى رأس النظام الإيرانيّ، المرشد الأعلى علي خامنئي، وفتحت حرباً كان النظام يحاول درءها على مدى أكثر من أربعة عقود عبر أدوات الردع المتقدّم المتمثّلة في دعم الوكلاء في ساحات بعيدة. استهدفت الضربة مركز القرار وكانت تبحث عن انهيار سريع للنظام تتبعه انتفاضة شعبيّة تعيد إنتاج سلطة جديدة. لكنّ الدروس التي استخلصتها القيادة الإيرانيّة من تكرار الهزائم الأميركيّة في العراق وأفغانستان ساهمت في إعداد استراتيجية ردّ صُمّمت خصّيصاً للتعامل مع العقل الاستراتيجيّ الأميركيّ.

فُعّلت خلال ساعات عقيدة “الدفاع الفسيفسائيّ”، وسرعان ما اتّضح أنّ الخطّة نجحت، على الأقلّ عسكريّاً، في إلحاق قدر من الألم بالخصم وحلفائه عبر توسيع الصراع أفقيّاً ورفع كلفته لتشمل الاقتصاد العالميّ برمّته، مستندة إلى بنية موزّعة على 31 وحدة من الحرس الثوريّ في المحافظات، وإلى سلاسل قيادة من أربع طبقات أُعدّت مسبقاً لضمان استمرار النظام على الرغم من الاغتيالات.

لم يكن هذا النجاح مفاجئاً ضمن منطق هذه العقيدة، لكنّ المفاجأة كانت في ما كشفته الحرب من تغيّر طبيعة الحكم. العقيدة التي صُمّمت لضمان استمراريّة القتال في غياب القيادة، نقلت فعليّاً جزءاً من سلطة القرار إلى الميدان. مع تكرار استخدامها، لم تعد هذه اللامركزيّة استثناءً، بل تحوّلت إلى نمط عمل دائم، يصعب التراجع عنه، حتّى لو استعاد المركز شكله.

خلال الأسابيع الماضية، برزت فجوة واضحة بين الخطاب السياسيّ والممارسة الميدانيّة

حالة التباس بعد مجتبى

سارعت طهران إلى تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى، في خطوة عكست حجم الضغط الذي فرضه الميدان وبرّر عمليّاً تجاوز ركن أساسيّ من أركان الثورة الإسلاميّة التي قامت على رفض الملَكيّة. إلّا أنّ هذا التعيين، بدل أن يعيد إنتاج مركز القرار، فتح الباب أمام أسئلة أعمق: غياب مجتبى عن الظهور العلنيّ حتّى الآن، وتضارب الروايات حول وضعه الصحّيّ، ومحدوديّة علاقاته داخل الحرس والنخبة السياسيّة، كلّها عوامل أبقت موقعه في حالة التباس. حتّى في حال ظهوره واستعادة دوره، تبقى موضعَ شكّ قدرتُه على أداء وظيفة والده، بوصفه “بيضة القبّان” أو الحَكَم الأعلى داخل النظام.

لم يكن خامنئي الأب يستمدّ كلّ تلك السلطة من صلاحيّاته الدستوريّة فقط، بل من ثقله السياسيّ وشرعيّته الثوريّة كصانع للجمهوريّة الثانية، بما مثّلته من انتقال أكثر رسوخاً في الأنظمة والمؤسّسات والأيديولوجية من الثورة التي أطلقها الأب الروحيّ روح الله الخمينيّ وتحوّلت إلى الجمهورية الأولى.

لا شرعيّة ثوريّة يملكها مجتبى، ولا علاقات راسخة مع الأطياف السياسيّة ولا ميزان يتّكئ إليه بين الدولة والحرس. لذا وجوده كمرشد مغيّب أو حاضر لا يضيف أيّ وضوح إلى غموض السؤال الحاضر: من يملك القرار في إيران الآن؟

من يملك القرار؟

تزامن هذا الغموض في القمّة مع ظاهرة أكثر خطورة داخل الدولة: تعطّل آليّة إحلال القيادات. يشير تقرير مفصّل في موقع “إندبندنت فارسيّ” إلى أنّ الضربات المتتالية لشخصيّات قياديّة بارزة كان يُعوَّل عليها لقيادة مرحلة الحرب والمفاوضات، كانت أسرع من قدرة النظام على تعويضهم، فنشأت أزمة في اتّخاذ قرار من يخلفهم.

لا شرعيّة ثوريّة يملكها مجتبى، ولا علاقات راسخة مع الأطياف السياسيّة ولا ميزان يتّكئ إليه بين الدولة والحرس

لم يُعلن في هيئة الأركان، التي يفترض أن تنسّق بين الجيش و”الحرس”، بديل واضح لمحمّد باقري حتّى الآن بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قادتها. في وزارة الاستخبارات، أدّى مقتل الوزير إسماعيل خطيب وعدد من كبار مساعديه إلى فراغ لم يُملأ علناً حتّى الآن. تكرّر الأمر نفسه في منظّمة الباسيج، حيث غاب قائدها من دون إعلان فوريّ لخلفه، على الرغم من أهميّة هذا الجهاز في ضبط الداخل.

إيران

لم يقتصر الوضع على هذه المؤسّسات بحسب التقرير نفسه. داخل أجهزة استخبارات الحرس، طالت الضربات المستويات العليا والوسطى، فضعفت القدرة على إعادة إنتاج القيادة من الداخل، وتكرّر الأمر نفسه في وزارة الدفاع وفي كثير من المؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة. في بعض الحالات، تشير الوقائع إلى أنّ بدلاء قد عُيّنوا بالفعل، لكن من دون إعلان، خشية استهدافهم. هذا يعني أنّ المشكلة لم تعد فقط في فقدان القادة، بل في استحالة إدماجهم علناً في بنية القرار.

الصّمت جزء من الإدارة

في نظام تتطلّب فيه هذه التعيينات تثبيتاً مباشراً من المرشد، ومع تحوّل أيّ اسم يُعلن إلى هدف، يصبح الصمت جزءاً من إدارة الدولة. أمّا النتيجة فليست فراغاً بالمعنى التقليديّ، بل تفكّك تدريجيّ في حلقات الوصل بين المستويات السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة، وخاصّة مع غياب الشخصيّات العابرة للمؤسّسات كأمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ السابق علي لاريجاني أو المستشار السابق للمرشد علي شمخاني.

في هذا السياق، يبدو التفسير الذي يختزل التحوّل في اتّجاه واحد، أي نحو “دولة يحكمها الحرس الثوريّ”، تفسيراً غير كافٍ ويعتمد على سيناريو محاكاة سابق على مجريات هذه الحرب. هذا هو الطرح الذي قدّمته سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز ومديرة برنامج السياسة الخارجيّة فيه، في مقالها في “Foreign Affairs”، عمّا وصفته بـ”الجمهوريّة الإسلاميّة الثالثة”، ورأت فيه أنّ الحرب دفعت نحو إعادة تركيز السلطة داخل الحرس بوصفه المؤسّسة الأكثر تماسكاً. هذا بالفعل ما كانت تتوقّعه مؤسّسات بحثيّة كثيرة ومحلّلون، ومنهم كاتبة هذا المقال قبل الحرب.

سارعت طهران إلى تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى، في خطوة عكست حجم الضغط الذي فرضه الميدان

يلتقط هذا التوصيف جانباً مهمّاً من الواقع، لكنّه يبقى قاصراً عن تفسير التحوّل الأعمق الذي كشفته الحرب. الحرس الثوريّ هو بالفعل الجهة الأكثر قدرة على ملء الفراغ الأمنيّ والعسكريّ، لكنّه لم يستطع أن يحتكر حتّى الآن القرار السياسيّ لأسباب متعدّدة ليس أقلّها أهميّة نزيف القيادات والموارد وتقطّع سلاسل القيادة والسيطرة ونموّ مراكز ثقل جديدة داخل الحرس نفسه بفعل آليّة الدفاع الفسيفسائيّ.

ما يظهر على الأرض هو تفاعل بين مسارين متوازيَين: تمركز في أدوات القوّة في أكثر من موقع، وتآكل في مركز القرار نتيجة الوضعيّة الجديدة التي خلقتها الحرب والتي لم تشهد إيران مثيلاً لها في أيّ من مراحلها التاريخيّة من الدولة الصفويّة إلى اليوم.

شبكة من مراكز النّفوذ

تتشكّل بين هذين المسارين بنية جديدة لا تقوم على هرم واضح وآليّة عموديّة من فوق إلى تحت، بل على شبكة من مراكز النفوذ. ضمن هذه البنية، لا يكفي الموقع الدستوريّ لتحديد القوّة، إنّما يصبح النفوذ هو العامل الحاسم. يتشكّل النفوذ من القدرة على الربط بين دوائر متعدّدة من الميدان إلى الأمن، فالمال، والشرعيّة الدينيّة، عمادها التاريخ السياسيّ والعسكريّ للأشخاص وطبيعة علاقاتهم وامتداداتها داخل المؤسّسات.

من هذا المنظور، يمكن فهم موقع شخصيّات مثل القائد العامّ للحرس الثوريّ، وزير الداخليّة أحمد وحيدي داخل الحرس، قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني في الجبهات الخارجيّة، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف في شبكات الاقتصاد المرتبطة بالحرس. إلى جانب هؤلاء، تبقى المؤسّسة الدينيّة حاضرة عبر علي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور، ويلعب القضاء دوراً في ضبط حدود التنافس عبر رئيس السلطة القضائيّة غلام حسين محسني إيجيئي.

لا تعمل هذه الشخصيّات ضمن قيادة موحّدة، لكنّها أيضاً ليست في حالة صراع مفتوح، فالعلاقة بينها تقوم على توازن دقيق بين مجموعة متساوية أفقيّاً بلا زعيم واضح، يتغيّر ثقل حضورها بحسب الظروف. يجمعهم هدف بقاء النظام، لكن تختلف حساباتهم في كيفيّة تحقيق هذا الهدف.

يتّضح أنّ التحوّل الذي تشهده إيران قد لا يكون مرحليّاً

فجوة بين الخطاب والممارسة

ينعكس هذا الواقع مباشرة في سلوك الدولة. خلال الأسابيع الماضية، برزت فجوة واضحة بين الخطاب السياسيّ والممارسة الميدانيّة. لقد صدرت إشارات تهدئة من مستويات سياسيّة، في وقت استمرّ التصعيد العسكريّ بوتيرة مختلفة.

في ظلّ هذا التوزّع في النفوذ، لا يبدو أنّ هناك جهة واحدة تملك القدرة على التحدّث باسم النظام بالكامل. أيّ مسار تفاوضيّ محتمل لن يكون نتاج قرار مركزيّ، بل نتيجة توافق بين مراكز متعدّدة، لكلّ منها حساباته ومصالحه. حتّى الآن، تخفي الحرب هذه التباينات. يفرض الضغط الخارجيّ حدّاً أدنى من التماسك، ويؤجّل الخلافات. لكنّ هذا التوازن هشّ ويزداد انكشافاً مع اقتراب لحظة التفاوض والقرار الذي طالما حسمته صورة خاتم المرشد.

هنا تحديداً يتّضح أنّ التحوّل الذي تشهده إيران قد لا يكون مرحليّاً. العقيدة الفسيفسائيّة، التي منحت الوحدات الميدانيّة هامش المبادرة، قد تخلق واقعاً يصعب التراجع عنه. الشبكات التي تشكّلت حول النفوذ لن تتفكّك بسهولة، والعودة إلى نموذج مركزيّ صارم تتطلّب أكثر من تعيين مرشد جديد.

إقرأ أيضاً: حلال على قاليباف… حرام على برّي؟!

بهذا المعنى، ما يتشكّل في إيران اليوم يتجاوز فكرة إعادة إنتاج النظام بصيغته السابقة، ويتجاوز فكرة تحوّله إلى دولة يحكمها الحرس وحده. نحن أمام نموذج مختلف، يمكن وصفه بالدكتاتوريّة التوافقيّة، حيث لا يشارك المجتمع في السلطة، بل تتقاسمها مراكز النفوذ داخل النظام نفسه، يوحِّدها هدف بقائها كمنظومة حكم ضدّ أعدائها الخارجيّين وخصومها الداخليّين وتفرِّقها المصالح.

* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.